إنهم يعودون غرباء مجددًا | قصة قصيرة

مدة القراءة 6 دقائق

منظر لبرج الجزيرة من فوق كوبري قصر النيل – تصويري 24 أغسطس/ آب 2020

رسالة واتس أب، المرسل، نور، الساعة 11:00 مساء:
«كل عام وانت بخير يا أحمد، سنة سعيدة ليك ولعائلتك وكل أحبابك يا عزيزي 💚 »

رسالة واتس أب من أحمد، الساعة 8:00 صباحًا: «وانتي بخير يا نور».

رسالة أخرى من واتس أب من أحمد، الساعة 12 ظهرًا:
«نور، أود أن أخبرك شيئًا، لا ترسلي لي رسائل مرة أخرى رجاء، في الحقيقة، منذ أسبوع خطبت فتاة قريبتي، لا أريد أن يحدث بيننا مشاكل، تعرفين تلك الأمور».

رسالة واتس أب، نور: ✅✅ (تم قراءة الرسالة).

كانت الساعة الرابعة عصرًا عندما قرأتُ هذه الرسالة من أحمد، كنت قد أنهيت عملي في مكتبي في فندق سفير في ميدان المساحة في الدقي، خرجت من باب الفندق وأنا اقرأ الرسالة عدة مرات.

كان من المفترض أن نلتقي اليوم أنا وأحمد في سيلنترو الدقي، أسفل الفندق، ثم ننطلق بعدها لسور الأزبكية بناء على طلبي. لم أستوعب الرسالة وأنا استعيد خط الرحلة الذي كان من المفترض أن يحدث اليوم.. وجدتني أبدّل تطبيق واتس أب سريعا إلى أوبر، وكنت أهم بطلب الرحلة إلى منزلي في المهندسين. لكنني وجدت أنني بحاجة لأن أبقى خارج المنزل، طلبت الرحلة إلى ميدان التحرير، ميدان التحرير يشفيني من كل شيء سيئ.. أجده المكان الذي يحتويني ويزدهر بشعاع نور وطاقة غريبة من الزحام والسرعة، ومكان شاسع مميز تدور فيه كل الأحداث الفاصلة والدقيقة، كل ذلك يجعله مكانًا مميزًا كفيلًا بأن يبتلع المرء بعيدًا عن تفكيره. وكنت بحاجة لمن ينقذني من تفكيري الليلة. وأنا في طريقي للميدان، سألت السائق المهذب لو كان من الممكن أن ينزلني عند كوبري قصر النيل ناحية الميدان.. فوافق.

نزلت عند بداية الكوبري، كانت الشمس تقترب من وداع القاهرة هذه الليلة، تغوص خلف برج الجزيرة لتهديني ليل بنسيم بارد، ونجوم تشق طريقها فوق النيل لتعلن عن وجودها في ثلوث القاهرة الضوئي.

كنت أتمشى بخطوات بطيئة على كوبري قصر النيل، ثم وقفت دقيقة أتأمل مشهد الغروب. أرى أمامي وعلى كلا جانبي النيل برج الجزيرة وفنادق مثل هيلتون، نيل كارلتون، وسميراميس.. ماسبيرو ومبان ممتدة لا أعرفها.

بدأت أتمشى ناحية جزيرة الزمالك المليئة بذكرياتنا، وسور حديقة الأندلس، وأسفل البرج الشاهد على الكثير من حكاياتنا التي بوحنا بها لبعضنا في صمت المكان الهادئ/المهيب. بدأت ذاكرتي بمعاقبتي، واستنفرت كل ما لديها لتذكرني بأول مرة صعدت فيها برفقة أحمد إلى أعلى البرج، أخاف من الأماكن المرتفعة، لكن رؤية القاهرة من نقطة عالية كهذه جعلتني أرغب في الصراخ من حماسي واندهاشي من هول ورهبة وروعة المشهد. كنا وقت غروب الشمس، وأصر على أن يلتقط لي صورة بجوار الغروب. بدأت أتذكر كل الهدايا التي تبادلناها معا، ميدالية مفاتيحي التي أخذها ووضعها في مفاتيحه وأخبرني أنها ستكون برفقته إلى أن أكون معه رسميًا، الكتب التي اشتريناها من سور الأزبكية أكثر من مرة وتبادلناها معا، يده الدافئة التي كان يحتضن فيها يدي عندما اشعر بالبرد. سيل من الذكريات والتذكارات بدأت تجتاح تفكيري دون توقف!

كنت أتنقل في المكان حتى بدأت خط الرجعة من حول النادي الأهلي إلى ميدان التحرير عبر كوبري قصر النيل، وكانت عيناي قد غرقتا بالدموع، كنت ارتدي كمامتي، لكنني وجدتها مبتلة من أثر حزني فقمت بتغييرها بواحدة أخرى، وأخذت عهدًا بأن أبقيها جافة حتى أعود للمنزل.

وجدت المشهد فوق النيل وفي الليل مميزًا خاصة في وجود نسمة باردة تهب على السائرين، وقوارب النيل التي بدأت تضيء أضواءها الملونة، وتشعل أنغامها المختلطة من الأغاني التي تتبدل خارج السياق، وفتاة على الضفة الأخرى للكوبري -إن صح التعبير- تحتفل بعيد ميلادها الحادي والعشرين.. كانت ترتدي فستانًا كحليًا طويلًا، وتضع حجابًا ذهبيًا، وزُيّن وجهها بمكياج مرتّبًا، وتعلو وجهها بهجة عامرة وواضحة لأنها محاطة بأشخاص سعداء لأجلها. كانت تقف ممسكة ببالونات الهيليوم الصفراء على شكل رقميّ 21، ثم تبدّل البالونات بأخرى باسم «سلمى». كانت تحتفظ بتلك الليلة في عدة صور يلتقطها أحد المصورين. وقفت أنظر إليها وأتذكر نفسي، لماذا لم أحظ بعيد ميلاد كهذا! هل نسيت نفسي إلى أن وصلت لعامي الثامن والعشرين دون أن أحتفل بعيد ميلادي بهذه الطريقة، أم ربما لأنني لا أحب هذه المناسبات؟ لا أعلم، لكنني كنت سعيدة لمجرد النظر إليها.. شابة تدعى سلمى تعيش لحظة سعيدة ستتذكرها دائمًا.

كنت أنظر للنيل ثم أصعد بنظري نحو السماء علّني أعثر على نجمة. وجدت بضعة نجوم واضحة، وكنت أفكر مليًا في اللا شيء، فقط أنظر لنجمة تتوهج بوضوح. لا أريد أن أفكر في أمور أرضية وأنا أنظر للنجوم، لعالم أكبر واعقد. بالمناسبة أنا أحب النجوم، لكن ما زلت أجد صعوبة في التعرف إليها في السماء، لكنني أحاول. تعرفت على شابة جميلة مؤخرًا عبر فيسبوك تعرف تلك الأشياء، اللألئ المضيئة كما تسميها هي، ربما سأكتب عنها وعن حبها للنجوم لاحقًا.

كنت شاخصة بصري نحو السماء عندما وجدت شاب وفتاة يقفان بالقرب مني على مسافة مترين تقريبا. كانا في العشرينات من عمرهما. وقفا يتحدثان عن أمور كثيرة، لكن ما سمعته كان حديث الفتاة التي بدت سعيدة هي أيضًا. سمعتها تقول «أنا مش مصدقة إن بابا وافق أخيرًا، وقرينا الفاتحة امبارح، فاكر أنت اترفضت كم مرة، ولا فاكر لما بابا قفشني بكلمك، راح واخد الموبايل وقالك لو بنتي هتخلل جنبي مش هجوزهالك». كانت تضحك وهي تذكّره بتلك اللحظات، سمعته يرد عليها قائلًا: «شوفي بقى انا اتبهدلت عشانك قد ايه، لازم تقدريني بقى». ظلّا يضحكان وهما يذكّران بعضهما بتلك اللحظات، وكنت ألمحهما بنظرات خاطفة وهما يتحدثان، ثم وجدت الشاب يتوجه للضفة الأخرى من الكوبري، ويتحدث للمصور الذي يصور الفتاة العشرينية.

وجدت الفتاة بجواري تنظر إليّ، وتبتسم، ثم وجدتها تقول لي «أدهم خطيبي أخيرًا، امبارح بس بابا قرا معاه الفاتحة واتفقنا نتخطب سنة على ما يجهز نفسه. هو غالبا بيكلم المصور عشان نعمل الفوتوسيشن هنا ع النيل، هو مجنون كدهو ويعملها». صمتت فجأة وانتبهت أنها لم تعرفني بنفسها، انتبهت أنني غريبة أصلًا، قالت «أنا آسفة، اسمي نهلة».. عرفت أنني ابتسم لها رغم أنني ارتدي كمامتي، وقلت لها «وأنا نور.. ربنا يهنيكم ويتمم لكم بخير يا رب».. كان أدهم، خطيبها، يعبر الشارع نحونا، ثم قال لها «والحمد لله حجزنا المصور يا عزيزتي». ودّعتني الفتاة بابتسامة وهي تبتعد برفقة خطيبها إلى مكان ما لن أعلمه. وقفت أتأملهما وهما يبتعدان ناحية الميدان، أفكر في نهلة، تلك الفتاة، في تلك اللحظة السعيدة التي غمرتها بعد محاولات مليئة بالحزن واليأس، لحظة سعادة جعلتها تخبرني، أنا الغريبة عنها، بها.. كنت أرى في عينيها لو أن بإمكانها إخبار كل السائرين عبر الكوبري عن قصة انتصارهما، وعما ينتظرهما من لحظات سعيدة سيعيشانها معا مستقبلا، وعن قصة صمود خطيبها لأجلها.. تمنيت لهما حظًا طيبًا ودعوتُ لهما حتى اختفيا عن ناظري.

وهكذا بدأت أتأمل حياتنا، حياتي، لحظات الحياة التي تمرّ سريعًا من بين أيدينا، لحظات زحام القاهرة التي يمكنها أن تهديك قصة تغيّر حياتك إذا وقفت دقيقة صمت وهدوء وسط طوفانها، وسط غربائها.. دقيقة تجعلك تشعر بشيء جديد حولك، دقيقة تجعلك تعيش لحظة تشعر بها بكامل جوارحك حتى لو لم تكن طرفًا أساسيًا فيها. لحظات سعيدة، غريبة، تنقذك من تفكيرك ومآسيك إلى نقطة جديدة تبدأ منها.

وجدتني أتمشى إلى ناحية الميدان أيضًا وأنا أشعر بارتياح كبير.. طلبت رحلة أوبر إلى منزلي في المهندسين، كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً. وصلت منزلي وأعددت العشاء، ثم جلست أشاهد فيديو للطبيعة مصحوبًا بموسيقى تهدئ الأعصاب، واكتب هذه الليلة في مذكرة صغيرة.

.. بعد أسبوعين ..

كنت أتصفح فيسبوك في التاسعة صباحًا عندما وجدت طلب صداقة من أحمد، يا إلهي، متى قام بحذفي من قائمة أصدقائه!

رسالة أخرى عبر واتس أب من أحمد، الساعة الثانية صباحًا قرأتها في التاسعة صباحًا: «صباح الخير نور، أتمنى أن تكوني بخير اليوم، هل يمكن أن تقابليني اليوم في التحرير، أو في أي وقت ومكان تفضليه؟»

رسالة واتس أب نور: «مرحبًا أحمد، أعتذر عن ذلك، وارجوا ألا ترسل لي رسائل مجددًا، أو تحاول الاتصال بي، لم يعد لدينا ما نقوله».

أغلقت كل تلك التطبيقات، وقمت اتجهز لاستقبل يومي الجديد. ارتديت ملابسي، وحملت جهاز اللاب توب وهاتفي، ونزلت أتمشى لمساحة العمل بجوار منزلي، لن أعمل اليوم من المكتب. كنت استمع إلى أغنية «سألتك حبيبي» لفيروز عبر يوتيوب عندما تخلل الأغنية إعلان، حيث يقول المعلق «اللي بنحبهم كانوا أغراب، أصحابك برضو كانوا أغراب» .. سرتُ بخطوات بطيئة أتأمل الجملة، ثم قلت في نفسي وأنا استمع لباقي الإعلان: «عجبًا، كل من أحببناهم كانوا غرباء فعلًا، منهم من بقِي معنا، ومنهم من عادوا غرباء مجددا.. كل من منحنا لحظات سعيدة أو تعيسة يعودون غرباء مجددًا بشكلٍ ما». وصلت باب مساحة العمل، وبدأت يومًا جديدًا، في شيفت نهار جديد، على أمل أن أجد حكايات أخرى من وسط زحام القاهرة.

5 thoughts on “إنهم يعودون غرباء مجددًا | قصة قصيرة

  1. أسلوبك بسيط وممتع، ورغم أن الحكاية تبدو للوهلة الأولى مكررة، إلا أن مع متابعة السرد وتفاصيل الشخصية شعرت بأصالة الحكي وعمقه بدون أي تزيد.. تسلم ايدك

    • شكرًا جزيلًا أ. عبد الحليم، كل عام وانت بخير..
      سعيدة للغاية إنك قرأت القصة وبرأيك فيها، وإنك تعرّفت على مدونتي المتواضعة :))

      • السعادة والشرف لي أستاذة مي، مدونة عظيمة وكتابة ممتعة جدًا

  2. قصة جميلة جدا يا مي ، أتمنى أن أقرأ لك رواية مستقبلا ، بالمناسبة أنا جزائري وأتابعك منذ 2014 أو قبل لا أذكر ، كتاياتك كلها مميزة

    • شكرًا جزيلًا محمد، سعيدة للغاية برأيك ومتابعتك دائمًا : ))

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.