هذا الشهر من مكتبي: في البدء كان موضوع تعبير للمدرسة

مدة القراءة 3 دقائق

لنتفق على أن هذه السلسلة هي تجربتي الشخصية في مجال الكتابة، العمل في الميديا والتواجد في العالم الرقمي. هي سلسلة تعتمد كليًا على خبراتي وخطواتي في التدرّج في مهنتي.. حول ما عرفته، وحول الأخطاء التي علّمتني وليس مجرّد رصًا لمعلومات حول البدء في العمل عبر الإنترنت، أو الأدوات المستخدمة وخلاف ذلك من المعلومات التي يمكن أن تجدها في أي مكان.

في البدء كان موضوع تعبير للمدرسة

عندما يسألني أي شخص عن منذ متى تعملين في مجال الكتابة، أقف دقيقتين أتساءل؛ هل أجيبه منذ بدأت الكتابة في العالم الرقمي، أم أخبره القصة منذ البداية؟!

هنا أجد الفرصة لحكي القصة من بدايتها. عندما هممت بالكتابة لأول مرة، كانت في السنة الرابعة الابتدائية، عندما أعطتنا معلمة مادة التعبير واجبًا منزليًا حول «من هم ملوك المملكة العربية السعودية وماذا فعلوا». كنت في مدرسة في قرية صغيرة في صحراء منطقة حائل، ولم يكن لدينا أي تقنية ولا حتى هاتف منزلي، وجلست مليا أفكر في كيفية كتابة هذا الموضوع، ومن يخبرني المعلومات.. ثم وجدت كتاب التاريخ الذي يحكي بإيجاز للغاية وتعريف بسيط عن ملوك المملكة وماذا تغير في المملكة في عهده.

كان هذا الموضوع هو أول موضوع أفكر في كتابته لعرضه على معلمتي. كان في منزلنا باحة بلا سقف تطل على السماء مباشرة، وكنت أجلس في هذه الباحة اقرأ كتاب التاريخ. عندما هممت بكتابة المعلومات كما جاءت فيه، راودني صوت يخبرني أنني أفعل شيء خاطئ، أنا “أنقل دروس التاريخ” إلى موضوع تعبير، إنشائي.. توقفت، وجلست أتأمل النجوم التي كانت لآلئ تتوهج في سماء الليل وأفكر في طريقة لجعل الموضوع معلومات دون أن يكون نقلا.

ما فعلته هو أنني قرأت الجزء الذي يتحدث عن ملوك المملكة وإنجازاتهم عدة مرات، ثم دونت ملاحظات حول شكل المناطق التي كانوا يعيشون فيها، وشكل المدن، والملابس، الأدوات المنزلية.. إلخ، ثم بدأت ابتكر قصة تعبير بأسلوب طفولي للغاية حول كل شخصية.. كتبت عن شكل المنزل الطيني القديم، ووصفت ملابس الشخصية، ودلال القهوة التي كانت لديهم.. وأضفت المعلومات التي لدي من كتاب التاريخ لكل شخصية، ثم أصبح لدي موضوع تعبير لا يتجاوز صفحة واحدة.

كنت خائفة في اليوم التالي، لأن طلب المعلمة هو موضوع تعبير لا يقل عن صفحتين. عندما أقبل الصباح وذهبت إلى المدرسة، وجاءت حصة التعبير؛ بدأت المعلمة بجمع دفاترنا، ثم جلست خلف طاولتها تتصفح دفاترنا، وتصحح. كنت أراقب دفتري من بين كومة الدفاتر التي يقل حجمها تدريجيا كلما سخبت معلمتي واحدًا، إلى أن أتى دوري، وفتح دفتري لتجد معلمتي صفحة إلا ربع هي كل المكتوب!

قرأته، وتمعنت فيه، ووضعته وحيدًا على جانب من طاولتها. قلبي بدأ بالخفقان، فربما أعيد الموضوع، أو أحصل على علامة سيئة. ثم انتهت من تصحيح الدفاتر، واعادتها إلينا باستثنائي.. ثم عادت إلى طاولتها، وفتحت دفتري، ابتسمت لي من بعيد، ثم اغلقته مرة أخرى..أتذكر كلماتها إلى الآن، قالت بالنص:

«الفصل كله ما فيه غير مي، 15 طالبة ما فيه غير مي اللي كتبت موضوع ممتاز.. كلهم ناقلين دروس التاريخ نصا، ما عدا مي، استعانت ببعض المعلومات وكتبت قصة من تأليفها رغم إنها قصيرة.. ورغم إنها مصرية ويمكن ما عندها كل المعلومات اللي عندكم، ودا دليل على إنها ذكية ومجتهدة، ودا اللي طلبته منكم، لا تنقلوا أي معلومات من أي مكان».

انتهت معلمتي من حديثها، وارتسمت على وجهي علامات فخر بنفسي، لقد أنجزت المهمة بشكل صحيح، كنت سعيدة للغاية لأنها كانت راضية وفخورة بي.. ومنذ تلك اللحظة وأنا أكتب وأنا سعيدة. كتبت الكثير من الموضوعات بعد ذلك في مادة التعبير، وفي الإذاعة المدرسية، وكتبت القصص التي لطالما كانت تقصها علينا والدتي، ورسمت شخصياتها أيضًا ولوّنتها بألوان خشبية متواضعة.

ظللت أكتب قصصا قصيرة، حكايات، مواقف، خيال أردت أن أعيشه في بعض الأحيان إلى أن وصلت للعام 2014. سنة تعيسة بسبب الكثير من الأمور، لكنها كانت البقعة السوداء التي يجب أن أتخلص منها لأجد طريقي، وأضع نفسي على بداية طريق جديد أحبه، وهو الصحافة والإعلام.

لننتهي هنا.. ربما ليس هذا ما كنت تتوقعه مني في أول حلقة من السلسلة، لكنني أردت أن تكون مقدمتها هي هذه القصة التي تعرّف عن حبي وشغفي بالكتابة، وكيف تعرّفت أصلا على الكتابة والتأليف. ربما سأقوم بنشر حلقة جديدة ضمن السلسة خلال شهر إبريل تكون خاصة بشهر مارس، خاصة أنه كان مليئا بالأشياء المهمة.. لكن على كل حال، انتظرني عزيزي/عزيزتي القارئ/ة في الحلقة القادمة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.