كاد أن يكون يومًا سيئًا

يوم جميل, مظلات, يوميات, قعدة بلكونة

إذا سألتني عن أكثر سبب يجعل يومي سيئًا؛ سأخبرك أن انقطاع الكهرباء والإنترنت لأي سبب هم الأساس في تحويل اليوم العادي إلى مأسآة.. اليوم، 24 أغسطس/ آب هو أحد تلك الأيام السيئة في 2020.. أو كاد سيكون ذلك.

ما اخترته ليكون عملي الذي أحبه، هو نظام لوظيفتين يجعلني أعمل شيفت صباح وشيفت مساء بشكلٍ شبه يومي، لكن هناك أيامًا يكون فيها شيفتًا واحدًا خلال اليوم، إما صباحًا أو مساءً. اليوم الاثنين هو اليوم الذي أعمل فيه في شيفت الصباح فقط إلى الساعة 2 – 3 ظهرًا، وباقي اليوم هو لي.

وضعت بالأمس مخططًا ليكون الاستيقاظ مبكرًا جدًا، وإنهاء بعض المشاوير في المؤسسات الحكومية، ثم الرجوع إلى المنزل قبل العاشرة صباحًا، وأبدأ عملي.. لكن ما حدث هو أنني استيقظت بالفعل مبكرًا للغاية، قبل موعد استيقاظي بساعة، لكن بسبب انقطاع الكهرباء عن الحي كله بسبب أعمال التجديدات التي تجري فيه، وأصوات أعمال البناء في العمارات المجاورة.. لا أدري كيف يفكر مدير مشروع في إيقاظ حيّ بأكمله الساعة 6 صباحًا من أجل أعمالهم.. هناك مواعيد عمل بالتأكيد تأخذ في عين الاعتبار آدمية السكان.

استيقظت في تلك الساعة البائسة، رأسي يؤلمني، ومعدتي تؤلمني، وكل ما فيّا يؤلمني لأنني استيقظت على أصوات مزعجة ومزاج تم تخريبه.. شربت قهوتي وتناولت قطع من بسكويت مميز محشو بالتمر، وارتديت ملابسي وذهبت إلى مشواري الأول في البنك. لم أستطع إكمال ما ذهبت من أجله بسبب الزحام وطول الانتظار، فقررت بدلًا من العودة لشقتي وانتظار عودة الكهرباء، وجدتني أقفز في أول عربة ميكروباص إلى ميدان التحرير، وسط القاهرة. تعودت أن أحمل جهاز اللاب توب وبقية الأدوات التي أعمل بها معي تحسبًا لأي ظرف طارئ.

أعرف هناك مكان عمل مشترك (Co-Working Space) في شارع محمد محمود، فقررت الذهاب إليه. يبعد عن ميدان عبد المنعم رياض -حيث محطة الوقوف للقادمين من أكتوبر وأماكن أخرى- نحو 20 دقيقة سيرًا على الأقدام. سرت هذه المسافة مع لحظات تأمل وقفت فيها في دائرة ميدان التحرير الذي بدا غريبًا جدًا. لم يعد نفسه الميدان الذي كنت أراه من قبل، بالتأكيد لم أزره قبل الثورة ولا بعدها مباشرة، لكن منذ عدة سنوات كانت الناس تلاحظ الميدان يتوسطه علم مصر شاهق جدًا. الآن أصبح ميدان يتوسطه «مسلّة» مغطّاة، وحوله دائرة محيطة بالعشب وأنواع مختلفة من النباتات. الشيء المزعج هو تواجد رجال أمن في ساحة الميدان، رجال أمن مختصين بالحراسة وليسوا من الشرطة. مجرد رؤيتهم في المكان هو شيء يدعو للاستغراب وعدم الارتياح، حيث تقافزت إلى ذهني العديد من الأسئلة حول أهمية الصرح الذي يُبنى في الميدان، وهل الناس فعلًا يشكلون خطرًا حتى في محيط المكان. فلا يسمح للناس بالجلوس على القوالب الصخرية المربعة التي من المفترض أنها أماكن جلوس، أو أنها مجرد قوالب صخرية للديكور.. لا أدري. المهم أن بعض هؤلاء الرجال المختصين بالحراسة يسمحون بالجلوس لبضع دقائق فقط.

وصلت إلى المكان المقصود في شارع محمد محمود، اسمه «ع الناصية»، مدخله سُلّم دائري صغير ملتوي، يصل للدور الثالث. هذا المعمار قديم جدًا، حتى هيئة المكان تقول ذلك. المكان نفسه لطيف جدًا، هناك بلكونة تطل على شارع محمد محمود حيث الجامعة الأمريكية أمامك مباشرة. مكان مليء بالألوان الزاهية المتناسقة، وصوت السيدة أم كلثوم يملأ المكان بصوت هادئ جميل، والأثاث البسيط الذي يشعرك أنك في منزل قديم. هذا الطراز من الأثاث، خاصة في أماكن العمل، يشعرني بالراحة وبطء الوقت، حيث البساطة تهدئ النفس، وتخلق جوًا مميزًا كأنك تجلس في منزل جدتك مثلًا، حيث لا يهم ما الذي يجري في العالم. أحب هذا النوع من الأماكن عمومًا.

المشكلة الوحيدة في المكان هو بطء الإنترنت بشكل لا يصدق.. وهو بالنسبة لي أزمة كبيرة لأنني أعمل أساسًا عبر الإنترنت. لكن قضيت اليوم بباقتي الصديقة التي تنقذني في تلك المواقف. على كل حال، هذه الرحلة البسيطة غيّرت مسار يومي من يوم كان بادئًا بشكل سيئ إلى يوم هادئ – على الأقل في المكان نفسه، لأن أصوات الشارع عبارة عن نمط مستمر من أصوات الزحام والسيارات لا يمكنك حتى ملاحظة أنها مزعجة.

جانب من المكان، تلاحظ الجدار عبارة عن صفحات من كتب وجرائد قديمة تم إلصاقها، وقد رسمت عليها ما يشبه أعمال الجرافيك. تصويري اليوم

اليوم، بدأت أتشجع لفكرة كنت أغرسها في رأسي خلال الأيام الماضية، وهي أنني من المفترض أن يكون لديّ رحلة مميزة كل يوم. فعملي غير مقيّد بمكتب معظم الوقت، أو مكان محدد، كل ما يلزمني هو جهازي اللابتوب، وإنترنت يكفيني. بهذه الطريقة يمكنني مباشرة عملي من أي مكان لطيف تصله شبكات الاتصالات، وكهرباء. وهذا ما نويت فعله، فالعمل من المنزل كمصطح يشير إلى أنه يمكننا العمل من المنزل، ومن الكافيه، ومن أي مكان عمل مشترك، وحتى على البحر إذا كان جهاز اللابتوب يحتفظ برصيده من البطارية فترة طويلة.. وجهازي يفعل ذلك لمدة 4 ساعات ونصف.

كتبت هذه التدوينة بعد الانتهاء من شيفت الصباح في الرابعة عصرًا، وبقي لي باقي اليوم.. سأتمشى قليلًا في شوارع وسط البلد، وربما سأتناول طعامًا غير ملوثًا من مطعم أعرفه كنت أذهب إليه عندما آتي للقاهرة وأبيت في فندق في لوتس في شارع طلعت حرب، ثم سأعود إلى أكتوبر قرابة الـ 9 مساءً.. ربما سأكتب لكم التدوينة القادمة من مكان جديد، أو في نفس المكان.

2 thoughts on “كاد أن يكون يومًا سيئًا

  1. الحمدلله ان المزاج تغير بعد كل ما مررتِ به، وأوافقكِ أن الازعاج الصباحي مدمر للأعصاب، الفكرة رائعة، أتمنى لكِ التوفيق بها، ومشاركتنا يومياتك معها ان شاء الله

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.