لم أعد طموحة

يتواصل معي أحد الأشخاص الذين عرفوني منذ العام 2015 كفتاة متحمسة بدأت للتو في حجز مكانها في مجال التدوين الإلكتروني بكتابة موضوعات وترجمات متنوعة. وعلى الرغم من أن بعض تلك الموضوعات لا يصلح قراءتها الآن لأنها أصبحت قديمة، لكن وقتها كانت موضوعات ذات أفكار جديدة وجيّدة – أو هكذا كان يراها القرّاء.

تضمنت رسالة هذا الشخص عبارات قاسية لا تدل على أن صاحبها يود أن يطمئن عليّ أو يشجعني على العودة إلى ما كنت عليه سابقًا، خاصة مع حالة الركود التي أصبحت ملحوظة خاصة على فيسبوك. كانت بعض الجمل من قبيل: «أنتِ أصبحتي تافهة لا تكتبين شيئًا على فيسبوك ذات قيمة، لا تردين على الرسائل، لا تعطين رأيك في أي قضية حتى لو كانت قضايا التحرش (باعتبار أنها قضايا تهم النساء أولًا!).. أنتِ لم تعودي طموحة، حتى أنك أخفيتي طبيعة عملك من حسابك الشخصي (وتلك الأخيرة أرعبتني بعض الشيء، هو يراقبني تقريبًا).

ترددت في الإجابة على الرسالة (قرأتها ثم أغلقتها مرة أخرى)، لكن دعني أتحدث هنا لألخّص الموضوع كله..

هذا الإنسان كان يعرفني من خلال كتابات وترجمات كما ذكرت سابقًا، ومن خلال منشورات فيسبوك.. لا يعرف عني سوى ما أصرّح به عبر الفضاء الإلكتروني، ثم يقرر فجأة أنني لم أعد تلك الفتاة القديمة/ الطموحة، لمجرد أنني توقفت عن فعل تلك الأشياء (الحديث عبرر فيسبوك)، وهنا يجب أن أقف دقيقة وأتساءل؟ هل للطموح تعريف محدد؟ أم أنه يختلف من شخص لآخر؟ هناك أشخاص طموحهم الوحيد -هدفهم الأساسي- هو العثور على وظيفة جيدة وأسرة صغيرة مستقرة، وهناك آخرين يعملون في شركات كبرى ومع ذلك يرون أنهم لم يصلوا بعد إلى طموحهم أو هدفهم.

هذا الشخص الذي أرسل رسالته لا يعرف عني في كواليس الفضاء الإلكتروني من أكون. لا يعرف كيف أعيش يومي وكيف أسيّر أمور حياتي، وما هي العقبات التي واجهتها مؤخرًا، وما هي الأشياء الأخرى التي أرهقتني ذهنيًا، وأشياء أفعلها -وأجاهد إن صح التعبير- كي أحافظ على وضعي الحالي في وظيفة جيدة مستقرة، صحيح هي وظيفة لا تتضمن كتابات موضوعات أو إبداء آراء، لكنها أكبر من ذلك بكثير وتحتاج إلى مجهود.

ليس مطلوبًا مني أن أعطي رأيي وأتحدث عن كل ما يدور حولي. سيصبني الجنون إن فعلت ذلك. منذ شهر أبريل/ نيسان الماضي حذفت تطبيق فيسبوك وماسنجر من هاتفي، وأخذت استراحة لمدة 53 يومًا بعيدًا عن فيسبوك، وها أنا الآن أكمل لنهاية العام بعيدة عنه.. لسبب بسيط وهو أنني لست مضطرة لإضاعة وقتي في كتابة منشورات أُبدي فيها أرائي وأتعارك مع الجمهور من كافة التوجهات دون الوصول إلى نتيجة، حتى أُصبح كما يريد البعض. هناك أمور قيّمة أخرى أحتاجها في حياتي.. تفاصيل صغيرة تخبرنا أننا ما زلنا هنا على الأرض، وأن في الأرض متاع ونعم كثيرة.. والأهم من ذلك كله على الإطلاق؛ هي الانتباه لصحّتي النفسية والذهنية والجسدية.

حتى خلال الفترة الماضية لم أكتب هنا على مدونتي ومكاني الخاص؛ لأنني أريد أن أبتعد عن أجهزتي التقنية جميعها قدر الإمكان. أريد أن أحظى بالعالم كما هو على ماديّته وحقيقته حولي. فرؤية قطة في ممر العمارة، أو حمامة تطل صباحًا من شبّاك مطبخي هي تفاصيل أهم بكثير من أن أظل أحملق في هاتفي أو جهاز اللاب توب طوال الوقت، وأتابع قضايا مختلفة. أكتب فقط بين حين وآخر منشورات خفيفة عن مواقف من الحياة “تافهة، مضحكة” لأن الإنسان كائن اجتماعي يحب مشاركة هذه التفاهات والمواقف.

جملة أخيرة.. إن كان ابتعادي عن الفضاء الإلكتروني سيجلب لي راحة البال والتركيز أكثر على حياتي وتحسينها؛ هو ما يسميّه هذا الشخص بأنني «لم أعد طموحة»، فمرحبًا بعدم طموحي.

8 thoughts on “لم أعد طموحة

  1. البعض لديهم علاقة مضطربة مع الآخرين في الشبكة وخصوصاً صناع المحتوى، البعض يعتمد كثيراً على صناع المحتوى لقضاء أوقاتهم في القراءة ومشاهدة الفيديو والتفاعل معهم ويظن بذلك أن صناع المحتوى أصبحوا أصدقاء، يخيب أمله أن صانع المحتوى يتغير ويتوقف عن فعل ما كان يفعله ويتجه لأمور أخرى كأن صانع المحتوى يعمل لديه!

    لا تهتم بما قاله صاحب الرسالة، رأيت صناع المحتوى يشتكون من الاحتراق وهم يحاولون إرضاء الآخرين ولن يرضى الناس بشيء.

  2. ” ليس مطلوبًا مني أن أعطي رأيي وأتحدث عن كل ما يدور حولي. سيصبني الجنون إن فعلت ذلك. ”
    هذه العبارة كافية لرد بليغ جدًا ، كم أحببتها و سأشاركها على فكرة في تويتر فاسمحي لي رجاءً.

    كوني بخير يا عزيزتي ، ابتداءً من اسم المودنة جاذب للقلب و كأني سأدخل البلكونة حقًا ، و انتهاءً بتدويناتك الحلوة ، نحن بانتظار ” تفاهات الإنسان الإجتماعي ” دائمًا ما دامت بهذا اللطف 🌸

    • شكرًا لكِ عزيزتي 💙💙 أسعدني تعليقك للغاية، ورأيك حول التدوينة والمدونة ككل ..
      بالتأكيد يمكنك مشاركة الجُملة التي اقتبستيها 😍

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.