إلى النجوم مجددًا| الرسالة الأولى

النجوم, سماء الليل, السما, فضاء

مرحبًا عزيزي، اشتقت إليك..

أعلم الظروف الصعبة التي تحيط بك وتمر بها الآن خاصة بعد أن انقطع سبيلنا بسبب إغلاق البلاد حدودها بعد جائحة كورونا. أعلم أنك وحدك.. تعيش في عالم مختلف كليًا عن عالمي. كما علمت أنك لا تتواصل مع أي فرد، وفضّلت أن تحظى بنفسك.. لكننا لم نتحدث منذ فترة طويلة. وهذا يؤلمني للغاية كما يؤلم أصدقائك هنا. لا أدري حقًا هل اشتقت إليّ أم لا، هل ما زلت تتذكرني على الأقل! هل ما زلت حيًا؟

أعلم أنك كنت تقرأ مدونتي دائمًا، تنتظر مني أي جديد أكتبه، ولا تتردد في سؤالي عن سبب تأخري في الكتابة، ولماذا لا أكتب باستمرار. حسنًا.. لديّ اليوم رسالة لك. رسالة أكتبها وأنا في حالة سيئة. أنت تعرف كيف أستطيع خلق عالمًا مذهلًا في الأيام الموحشة، لكن ما حدث خلال الفترة الماضية كان أكبر مني ومنك. لن أتحدث عن حالة الإغلاف العام، ولن أتذكر تفاصيل اليوم الذي أخبرتني فيه أنك لن تستطيع الصعود على الطائرة القادمة إلى مصر، إليّ.. سأتحدث عن نفسي أنا.. سأحدثك عنّي أنا التي لا تعرفها.

في البداية أستطيع القول أنني -ولقرابة عامين- لم أعد أعرف من أنا تحديدًا. إذا قابلت أحدا في مناسبة عامة أو خاصة، لا أستطيع التعريف عن نفسي. هل تتذكر اليوم الذي التقينا فيه في لقاء عام برفقة صحفيين في كرياتوف في الدقي.. هل تتذكر كم كنت مرتبكة وسط هؤلاء الكتّاب والصحفيين.. مرّ اليوم على خير، لكن بعدها بدأت أتساءل: من أكون، ماذا أفعل، ماذا أتى بي إلى هنا! أنا أفعل أشياء كثيرة في سماء شاسعة وليس لي أرضًا ثابتة.

منذ عدة سنوات بدأت ككاتبة مبتدئة (سنة أولى أونلاين كما أحب أن أسمي تلك الفترة)، ثم أصبحت أتقلّد مناصب مختلفة في العمل الصحفي. خلال 3 أعوام مضت لم أعد أتذكر عدد الدورات التدريبية التي حضرتها، ولا عدد الأماكن التي عملت فيها لأنني عملت فترة كشخص “مستقل”.

لكن مؤخرًا، وبعد أن أعطانا وباء كورونا إجازة من الركض، بدأت أفكر في حياتي بشكلٍ أكثر هدوءًا.. بدأت أدرك أنني لم أعد أحظى بأوقاتي الخاصة حيث لا شيء يشغل بالي. وقتي كله أصبح مشغولًا بالعمل، الدورات التدريبية اللازمة لتحسين أدائي في العمل، البحث والتنقيب في آلاف الصفحات الافتراضية طوال اليوم.

بدأت أكتشف أن لا شيء يستطيع إسعادي حتى وإن تظاهرت أو حاولت. لم أعد أشعر بأي شيء حولي. بمرور الوقت أصبحت أرى الدنيا كوحش يجب خوض معركة يومية معه للانتصار عليه، لكن المعارك لا تدوم طويلًا، انتصرت في معظمها، ثم بدأت أشعر أنني على وشك الانهزام كليا..

ثم بدأنا شهر رمضان.. رمضان هلّ هلاله وأنت بعيد.. رمضان أتى منطفئًا حزينًا هذا العام. الظروف الحالية مليئة بالمنغصات.. منغصات تنبع من كوني إنسانة تشعر وتتألم للآخرين، ولديها حساسية مفرطة تجاه الحياة والكون كله. تعرف أنني أتألم لما يحدث للناس في العالم من موت بالجملة بسبب جائحة كورونا.

تنشب خلافات دائمة بيني وبين عائلتي بسبب ذلك الشعور المفرط. يقولون لي لن تنقذي العالم، رد فعلك “اوفر”، .. إلخ، لكنني تلقائيًا أجدني أتألم وليس بيدي حيلة لتجاهل مشاعري. هذه المشاعر والأحاسيس ليست وليدة كورونا، بل هي وليدة طفولتي التي تألمت فيها لأطفال فلسطين منذ أن كنت في المرحلة الإعدادية (المتوسطة).. قضيت أيامًا كثيرة أذهب إلى المدرسة باكية بسبب ما يحدث في فلسطين. ربما سأحكي لاحقًا عن ذكريات طفولتي هذه.

بدأت أشعر أن الجائحة كلها تحيط بنا، وأننا كبشر محاصرون لا مفر لنا.. إما أننا محاصرون داخل منازلنا، أو سنموت إن خرجنا.. والموت في ظل جائحة معدية أبشع من الحدث نفسه.. سأحدثك لاحقا عن كوابيسي عن الموت أيام كورونا خاصة وقت تفشي الفيروس في إيطاليا..

سأعود إلى النجوم مجددا

هذا الجزء الذي أحاول استعادته، ربما لأشعر أن الأمور بخير.. لأنني بخير. بالتأكيد تتذكر كيف كنت أحدثك عن النجوم، وعن أفلام الفضاء، وفيلمي المفضل «interstellar».. تعرف كيف أبدو سعيدة، تلمع عياني حينما أتحدث عن شيء أحبه.. هكذا أخبرتني.. ربما تتساءل الآن: كيف ستعود إلى النجوم ونحن في حالة حجر، رحلات الفضاء متوقفة!.. هكذا تحدثني دائمًا، تستطيع تقريب كل بعيد والحديث عن كل مستحيل/ غريب وكأنه أمر اعتيادي.. “رحلات الفضاء متوقفة” وكأننا نرحل كل حين في رحلة جديدة.

سأخبرك كيف ستكون رحلتي.. عليك انتظار الرسالة القادمة، فأنا الآن في طريق العودة إلى أكتوبر، حيث شقتي الصغيرة، الآمنة، البعيدة عن الناموس وتعب الأرياف النفسي.

تحياتي، كن بخير دائمًا..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.