لو أن فيروس كورونا قرر زيارة قريتنا

فيروس كورونا, المنصورة, بانوب

صورة من قريتنا — تصويري، 10 إبريل/ نيسان 2020

قبل بداية أزمة فيروس كورونا كنت أسكن في مدينة أكتوبر في القاهرة، وأذهب لعائلي كل أسبوعين تقريبًا في زيارة لا تطول. لكن منذ منتصف شهر فبراير/ شباط ومع بدء أزمة كورونا، مكثت في القاهرة حتى دخلنا حالة الحجر الصحي طوال شهر مارس/ آذار. طوال تلك الفترة في مدينة أكتوبر، شعرت بمعنى تغيّر ملامح الحياة بشكلٍ جذري نتيجة عامل خارجي، وهي الجائحة الفيروسية. فملاحظة أي تغيّر بهذه الطريقة هي تجربة جديدة بالنسبة لي.

1

خلال السنوات التي شهدت فيها مصر تغيرات كبيرة أيام الثورة وحتى اليوم؛ كنت أعيش في قريتنا الريفية الصغيرة البعيدة في محافظة الدقهلية. لم يكن هناك أي صدى لأي تغيير أو حراك على الأرض. الناس يتابعون حياتهم بشكل عادي، ويتابعون أيضًا نشرات الأخبار باهتمام كبير. يدلون بأرآئهم في الأحداث، وتنشأ خلافات كبيرة في الأسرة الواحدة بسبب ذلك، لكن يبقى كل ذلك في المحصلة مجرد أحاديث ليس لها تأثير على أرض الواقع. مجرد أحاديث مُحتَقنة وغاضبة. فلم يكن هناك وجود لحظر تجول، ولا لجان شعبية، ولا جيش ولا شرطة ولا أي شيء.. عالم موازٍ بعيد سكانه يرصدون القاهرة والمحافظات الأخرى -والمحافظة التي ينتمون إليها- من بعيد. الحراك الذي لوحظ في القرية هي أيام الانتخابات المتكررة والمتعددة، والمنسية.

2

في العام 2020، وفي ظل جائحة كورونا الحالية، يتكرر نفس الهدوء والرصد.. لنبدأ.

لن أتحدث طويلًا عن رحلتي السريعة من مسكني في أكتوبر إلى المنصورة. فقد كانت الرحلة صامتة، يعمها خوف وسكون غريب. عربة ميكروباص جميع ركابها يرتدون الكمامات والقفازات البيضاء، ورائحة الكحول تملأ أجواء المستطيل الحديدي الذي يسير بنا بسرعة 120 كم/ساعة طوال الطريق تقريبًا.

على عكس كل الرحلات السابقة، كان الصمت .. سكون تام بين المسافرين. في الموقف قبل الانطلاق في الرحلة، لم يتجادل أحد على سعر الأجرة، أو محل جلوس محدد، أو جدال على سعر أجرة الحقيبة التي ستقبع فوق الميكروباص طوال الطريق.. الجميع متقبل أي قرارات بصمت وسكون في محاولة منهم لتنجب الحديث من أي إنسان آخر. وعلى عكس الرحلات السابقة أيضًا، كان صوت الموسيقى الشعبي يعلو منها، لكن رحلتنا كان يعطرها راديو إذاعة القرآن الكريم الذي يتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بصوت عال.. عندما هممنا بالخروج من الموقف في اتجاه الطريق العام، دعانا سائق الميكروباص لقراءة الفاتحة: «الفاتحة للنبي يا جماعة»، ثم دعاء الطريق. صوت الاستغفار الذي أسمعه قادما من مسافر ما على متن الرحلة. جوّ من الهدوء والسكينة والغرائبية التي تلف الناس، حتى أن أغلب المسافرين غفو، وغفيت أنا وذهبت في نوم عميق لنصف ساعة في بداية الرحلة نتيجة الصمت وهدير الميكروباص المنطلق بسرعته على الطريق شبه الفارغ.

وصلنا المنصورة قرابة الواحدة ظهرًا، هنا وجدت كل شيء كما تركته منذ ما يقرب من شهر ونصف؛ بخلاف أن الجميع بدأ يحدق فيّ وأنا أرتدي الكمامة. استقبلني أخي وذهبنا إلى كشك الكتب الذي اعتدت شراء الأعداد الشهرية من مجلات ناشونال جيوغرافيك والدوحة، وعالم المعرفة منه. لم أجدها بسبب تأخر الشحن نتيجة الأزمة. اشتريت رواية الخرافيش لنجيب محفوظ، وانطلقنا وأخي إلى قريتنا.

3

طوال تجولنا في شوارع المنصورة نسيت تقريبًا أن العالم فيه فيروس! كافة المحال والمول الكبير مفتوح. زحام خانق، وأشخاص يتجولون في الشوارع، مطاعم مفتوحة، وأشخاص يتحدثون مع بعضهم عن قرب، وسوق خضار كبير يعج بالباعة والزبائن!

لا يختلف الوضع في قريتنا عن ذلك المشهد، لكن قريتنا بشكل عام هادئة. لا يوجد فيها حياة في الوضع العادي، وفي الوضع الراهن لا تجد فيها الكثير من التغيير. موقف الميكروباصات القريب من شارع منزلنا ما زال يعمل، وما زال الناس يسافرون لقرى ومراكز مجاورة إما لعملهم، أو التسوق من سوق يوم خاص في القرية المجاورة، أو لأي هدف آخر لا أحد يعلمه. تجد «التكاتك» تدور وتجول طوال اليوم بصوت الموسيقى العالي، والناس يباشرون عملهم في أراضيهم كالمعتاد. صادف وفاة شخص في قريتنا، فوجدنا أن القرية كلها تقريبًا ذهبت إلى مراسم الدفن ومجلس العزاء، وجاء آخرون من خارج القرية للعزاء والمواساة دون مراعاة لأي إجراءات وقاية.

تمتلك القرى المصرية -رغم مساوئها- عدة «ميزات» ربما تجعلها مميزة في وقت حرج مثل أوقات الكوارث، أو الثورات.
أولًا: بُعدها عن مسرح الأحداث الكبيرة، والتي يضفي عليها صفة الأمان ولو قليلًا. فكما ذكرت في البداية فلا يوجد صدى للأحداث فيها سوى بالكلام المتطاير. [لا تندرج الإجراءات الوقائية ضد الفيروسات ضمن “الكلام” فحسب].
ثانيًا: عدد سكانها قليل مقارنة بالمدن، وهو ما يعطيها صفة «العزل الاجتماعي/ التباعد الجسدي» بسهولة.
ثالثًا: من النادر -المستحيل- وجود أي شخص أجنبي فيها. شخص أجنبي بمعنى ليس من أهل المحافظة، لذا فإن احتمال رؤية سائح أجنبي أو مجموعة وافدين يختلطون بسكان القرية هو صفر تقريبًا.

كل هذه ميزات تجعلها «محصّنة» نوعًا ما ضد الكوارث بمختلف أنواعها، لكن الخطر الأكبر غير الواضح في ظل أزمة فيروس ومرض معدٍ مثل جائحة كورونا؛ يتمثل في أن سكان القرية قد يكونون هم أنفسهم عوامل نقل ونشر الفيروس في القرية. فهم يخرجون خارجها ويذهبون إلى مراكز ومدن كبرى أخرى، أو في أماكن متفرقة من الجمهورية يختلطون بالآخرين الذي يحتمل إصابتهم، ثم يعودون إلى قريتهم مرة أخرى حاملين معهم الفيروس.

عملية الخروج والدخول هذه قد تحول القرية إلى بؤرة تفشي جديدة إذا صادف فيها وجود مصاب واحد، وهو بالضبط ما حدث في قرية «الهياتم» بجوار المحلة الكبرى. فقد أصيب شخص بالفيروس يعمل مديرًا لأحد مطاعم البيتزا في طنطا، قم نقل الإصابة إلى باقي أفراد أسرته وبعض المخالطين في القرية، مما استدعى عزلها تمامًا.

فلو أن فيروس كورونا قرر زيارة قريتنا -أو قرية مشابهة لها في أي مكان في مصر-؛ سيجد أن الأرض «مفروشة له ورد» للانتشار. ليس فقط بسبب الأفراد الداخلين والخارجين، بل بسبب عوامل أخرى إضافية مثل ضعف التجهيزات الطبية، وحدة صحية متواضعة لا تحتمل مواجهة فيروس قاتل، وعدم وجود عربة إسعاف في القرية. بالإضافة إلى أن أهل القرية ما زال قسم منهم يتعاملون مع الوباء بأنه «لن يضرّهم»، وقسم آخر سلّم أمره لله بأننا «راحلون يومًا ما لا محالة».

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.