من يدفئ أطفال سوريا؟

أطفال سوريا, ثلج, مخيمات, موت, دفئ, شتاء

استيقظت في وقتٍ متأخر في يوم نصف إجازة يوم جمعة.. أعددت قهوتي وارتديت روب شتوي، واشعلت مدفئة الغرفة، وجلست بجوار قطتي التي تنام في سرير صغير صنعته لها من غطاء شتوي يشبه البطانية/خفيف نسميه «دفاية».

فتحت اللاب توب الخاص بي، وبدأت أتصفح الصفحة الرئيسية لفيسبوك لأقرأ أبرز ما يتحدث عنه الناس اليوم. وبين الكثير من الأخبار التي تأخذنا في جولة سريعة حول العالم، وجدت صورة طفلة صغيرة يبدو عليها آثار المرض. وجهها شاحب يميل للزرقة، وعيناها ثابتتين تنظران لمكان ما -بالتأكيد ليس للكاميرا-، وشعرها مغبر، لأفجأ بأن هذه الهيئة.. هذه الطفلة متوفية، توفيت من البرد في إحدى مخيمات إدلب في سوريا.

ذهلت لدرجة أنني لم أصدق الخبر، بحثت عن مصادر أخرى تنفي أو تؤكد.. وللأسف وجدت الكثير من المصادر التي تؤكد وفاتها من البرد.. وأخبار أخرى تتحدث عن وفاة عائلة بأكملها من البرد في مخيم للاجئين السوريين في إدلب.

في مثل تلك المواقف، يكون العقل غير قادر على التفكير بشكل سليم. توجه تفكيري للحظة الأولى إلى سب وشتم تلك المنصة الإعلامية التي لا تحترم حقوق النشر في مثل تلك الحالات، ونشرت صورة لهذه الطفلة في حالتها الساكنة، الصامتة، الهادئة.. المتوفية، ثم اعتصر قلبي قهرا ودمعت عياني، وعقلي يجول بالكثير من الأفكار.. أفكار خاطئة.

فلاش باك

خلال عملي في الصحافة، لم أتناول موضوعات كثيرة عن سوريا، لأن مجال عملي تنوع منذ البداية في الكتابة عن موضوعات عديدة، ليس من بينها السياسة، ثم أصبح في مجال العلوم. لكن في بداياتي في المجال، كتبت مقالًا واحدًا للاجئين وعنهم، منذ 4 سنوات تقريبًا، ولم أكتب بعدها شيء عن سوريا.. هذا لا يعني أن الأمور لا تعنيني، بل لأن جرح سوريا أكبر من أن استوعبه.. أكبر من يستوعبه قلبي، وأكبر من أن تستوعبه الكلمات.. وأكبر من كل تلك الكتابات السياسية التي تحلل وتفسر ما يجري، وتتنبأ بما سيحدث. ليس بيد الإنسان العادي حيلة أمام تلك المواقف، لكن شعوره بالظلم والقهر دائمًا حاضر، وربما تمني زوال حياته والعالم لينتهي كل شيء من أكبر الأمنيات التي تعتلي قائمة تفكيره أثناء النظر لصورة مثل تلك الخاصة بالطفلة.

«أصوات قذائف مضحكة»

بعد حادثة وفاة تلك الطفلة بعدة أيام، تداولت وسائل الإعلام حول العالم فيديو لأب سوري، يحاول تهدئة خوف طفلته من أصوات القذائف، بالضحك عليها.. كانت الطفلة تبلغ 3 سنوات.. ملاك لا يعي أن العالم ليس مكانا آمنا.

جلست أعيد تشغيل الفيديو عشرات المرات وأنا أتأمل ملامح تلك الصغيرة، وملامح الأب أيضًا. بالتأكيد كان في تلك اللحظة يموت رعبًا من أن تخطئ القذيفة طريقها، وتسقط عليهم.. أن تمحي هذه اللحظات التي تبدو «نكتة مضحكة لطفلة»، إلى لحظات مؤلمة. بالتأكيد القذائف التي تسقط في أي مكان، تصنع هذا الكابوس لعائلات أخرى، وتدب الرعب في قلوب أطفال آخرين.

الحياة حق للجميع

تلك الحادثتين لم تفارقا ذهني أيام بعد ذلك، وفي يوم كنت أنا على طريق سفر بين المنصورة والقاهرة، بدأت أفكر بشكل خاطئ في شيء ما: لماذا يتزوج الناس في سوريا، خاصة في مناطق النزوح غير الآمنة، وينجبون أطفالا لن يضمنوا لهم حياة كريمة؟ لماذا يستسلم هؤلاء الآباء «لأنانيتهم»، وينجبون أطفالا؟

ولسوء حظي، وجدت بعض التعليقات تسأل وتتساءل عن هذا أيضًا. كنت أفكر وأنا أبكي في صمت، أبكي على حال هذه الأطراف.. الإنسان العادي الذي يرغب في أن يعيش حياته ويجد من يدفئ قلبه في تلك الظروف.. الإنسان الذي يرغب بأن يعوضه أطفاله وزوجته عن حزنه وألم ما حل بهم. وأبكي على أطفال عزّل لن يجدوا من يهتم بهم. العلاقات الدولية وعمل المنظمات الدولية معقد، وليس من السهل الوصول لهؤلاء الأطفال، فماذا بيدي أنا أفعله.. إنسانة تتألم لمجرد رؤية قطة تبيت في البرد في الشارع، ماذا بيدي أن أفعله لهؤلاء الأطفال؟ ثم بدأت أفكر وأتحدث إلى نفسي: ها أنا أجلس في عربة ميكروباص سفر آمنة، وأفكر في السبب الذي يدفع اللاجئين للزواج والإنجاب، ونسيت تمامًا أن الحياة والأمل من حق الجميع، وهي حق لهؤلاء المستضعفين أكثر منا، هم بحاجة للحياة بدرجات ضعف ما نريده نحن.. لن نملي عليهم كيف يسيرون حياتهم، فيكفيهم ما جرى لهم، بل أن ميلاد طفل لعائلة منكوبة؛ قد يضيء في حياتهم شمعة أمل علها تكون دفعة جديدة لهم.. أمل بصورة خاصة كي لا يقنطوا.. ثم بدأت أفكر في أن الحياة ككل؛ شاقة لكن بدرجات متفاوتة، فالألم والموت والفراق موجود في كل مكان، فلا بأس بأن يعيش هؤلاء النازحون حياتهم الجديدة، الشاقة جدًا، ببعض الأمل. أمل بأن ينتهي كل هذا.

وقبل وصولي إلى جهتي في القاهرة، نظرت إلى السماء الصافية الملبدّة بالغيوم وضوء الشمس ينبثق منها، وبدأت أفكر وكأنني أخاطب أحد ما: هل سنحاسب في حياتنا الأخرى أو نُعاقَب على تقصيرنا، على أننا كنا على دراية بما يحدث ولم نحرك شيئا؟ هل سيقبل الله منا أعذار مثل: كانت لدينا مشاكلنا الخاصة، أو كان الوصول لهؤلاء المحتاجين صعبًا، أو كنّا نخشى الموت؟ لا أدري..

في هذه اللحظات التي أكتب فيها، أجلس في سرير دافئ وغرفة تشتعل فيها مدفئة، وأعلم يقينًا أن هناك عائلات تعاني البرد والخوف وتترقب الموت في كل لحظة.. وهذا شيء قاس للغاية!