لارا| قصة قصيرة

الكون, فضاء, لارا, النجوم, السماء

ذات ليلة من ليالي الأسبوع كنت بجوار والدي على سطح منزلنا أثناء تأمله السماء.. كنتُ مُستلقية وأمعن النظر للسماء أيضًا في صمتٍ تام حتى علا صوتي بأرقام مُتعاقبة، ومتسلسلة: 501، 502، 503، 504، 505 ،….. ماذا تفعلين يا عزيزتي؟ قالها والدي..

– 506، 507 ،508 ، …

– لارا.. ماذا تفعلين، ما تلك الأرقام؟
دون أن أحرك ناظري قلت: أبي، أحاول فقط أن أعدّ النجوم؟

ماذا؟ تعدين النجوم؟ مهلاً مهلاً.. النجوم؟ من علمك تعداد الأرقام لخمسمئة؟ أنتِ ما زلتي في الرابعة من عمرك عزيزتي؟

فرحت كثيراً حين بدأ بمناقشتي في ذلك الأمر.. قلت له: ماما هي من علمتني ذلك، فقد كنت أستمع لبعض فيديوهات الرياضيات على جهاز اللاب توب الخاص بها.

– لارا.. انهضي وتعالي إليّ سأخبرك سراً لا يعلمه أحد.
– ولا حتى ماما؟

– بنظره خاطفة لأمي الجالسة على أريكة قريبة منا تحمل في يدها كتابًا كعادتها تقرأه.. ضحك لها والدي مبتسماً وقال لي: ولا حتى ماما.

– هرعت إليه وقلبي يتراقص فرحًا، احتضنني وسألني سؤالًا: بما أنك أصبحتِ كبيرة، وتعرفين تعداد الأرقام وصولاً لخمسمائة، هل تودّين معرفة أشياء أكثر من عدّ النجوم ليلاً؟
– قلت له: بالتأكيد.. هل هناك أشياء أخرى غير النجوم والقمر في السماء؟

– بالطبع عزيزتي.. راقبي ذلك، سأغلق لكِ عين واحدة بيدي، وضعي الأخرى على تلك العدسة.
– عدسة؟!
– حسناً عزيزتي.. تلك الفوهة.
فعلها والدي، وأغمض عيني اليمنى بيديه، ونظرت في العدسة – الفوهة – بالعين الأخرى.
كان مشهداً لن أنساه، مشهد من روعته شعرتُ أنه اخترق قلبي.

– ما هذه الدوائر، إنها تبدو مثل حبّات الخرز الصغيرة.
– قال لي: إنها تدعى كواكب، بالتحديد كوكب المشتري وأقماره الصغيرة.

– في تعجب قلت: كواكب! ماذا يعني كواكب؟
– سكت والدي قليلاً ثم قال: كيف عرفتي النجوم إذًا أنها نجوم؟

قلت: أنا أراها دائمًا في برامج الأطفال، يقولون أن السماء مليئة بالنجوم المضيئة، والقمر، لكن لم يذكر أحد شيئًا عن الكواكب هذه..

ابتسم لي: هل تودين معرفة قصة الكواكب أيضًا؟
قلت: بالتأكيد.. صمت ونظر إلى السماء، إلى النجوم في حالة تأمل، وبهمهمات وهمسات قال:
القصة طويلة عزيزتي، إنها قديمة للغاية، في الحقيقة.. تعود القصة إلى نحو 14 مليار عام.. إلى بداية كوننا هذا، حين كان لا شيء، ثم أصبح كل شيء. كانت..

– أبي، لا أفهم.. ماذا تقصد؟
– حسنًا عزيزتي:
الكواكب هي أجرام سماوية تشبه أرضنا، كروية، بأحجام مختلفة، يختلف تركيبها.. فأرضنا تتكون من الصخور والرمال مثلًا، لكن كوكب المشتري عملاق غازي (من الغاز) رغم كبر حجمه..

ثم أمعن النظر لي.. سكت، ثم قال: ما رأيك بأن ننظر لشيءٍ آخر؟
وظل والدي يُدير ذلك الشيء الذي كنت أخشاها ولم أفهم ما هو، ثم عرفت فيما بعد أنه جهاز راصد يُدعى تلسكوب. رأيت أشياء مُذهلة حقاً من خلاله.

– سألني والدي: هل ننتهي هنا.. وقبل أن يكمل كلامه، شهقت بدوري في تلك اللحظة. أُنظر أبي لقد مر شيئًا مُسرعًا الآن يشبه البرق لكنه لا يشبهه، ما اسمه يا أبي؟

– ضحك والدي قائلاً: هذا الخيط الرفيع القصير يدعى شُهب؟
– شُهب؟
– نعم إنه كذلك.. سأشرح لكِ كل شيء فيما بعد و… فجأة، أصبحت السماء تلقي بظلامها، وتُخفي زينتها وأجرامها المترامية، هذه ميزة بداية دخول فصل الشتاء. اختفى ضوء القمر أيضًا مع من اختفوا، وطلب مني والدي الإسراع في النزول مع أمي قبل قدوم العاصفة، وظل هو يجمع مُعداته تلك في الخارج.

نزلنا، واغلقنا جميع النوافذ والأبواب، وظل والدي يراقب العاصفة عبر جهازٍ آخر لا يفعل شيئاً سوى أن هناك دائرة خضراء تدور وتدور وتدور.. لم أفهم ذلك وانتابني فضول لأعرف ذلك الشيء. لكن الجهاز كان يبدو مريبًا، لم يكن مريحًا على الإطلاق مثل التلسكوب.

جلسنا على مائدة عشاء لذيذة أعدتها والدتي بجوار مدفئتنا كالعادة، وصوت الرعد يدب في أذني، وأحاول أن أُخفي رعبي من صوته، لكني كنتُ سعيدة تلك الليلة.. بتّ أعرف القمر، والنجوم، والكواكب، والشهب، لقد كبرت الآن، وعرفت أن هناك المزيد من الأشياء عليّ معرفتها. انتهينا من وجبتنا، وأصرّت أمي أن تأخذني معها الليلة لأنام في حضنها.

عندما أغمضت عيني، رأيت تلك المشاهد القادمة من التلسكوب في أحلامي. الكواكب، القمر، ثم النجوم البعيدة والشهب خارج التلسكوب. وظل صوت الرعد والمطر المنهمر يدب في أذني طوال الليل.

قصة طفلة تحاول التعرف على الأجرام السماوية، ثم تحولت حياتها من الشغف بالفلك إلى الطب.. المهنة التي قضت على أكثر الأشياء الجميلة التي تربطها بوالدها وطفولتها، لتبدأ حياة خاصة اختبرت فيها الكثير من التجارب الحياتية المؤلمة..

من رواية كتبتها في 2014، لكنها لم تكتمل بعد.. وربما تكتمل يومًا ما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.