أسبوع آخر في أكتوبر

مضت 6 أيام منذ آخر مرة كتب فيها هنا، كان عن كواليس موسم جوائز نوبل.. 6 أيام لم أذهب فيهم إلى أي مكان. فقد انتابتني نوبة مرض لم أعرف سببها.

طبيبي يقول لي خذي قسطًا جيدًا من الراحة والنوم. الراحة؟ أنا لا أبذل أي مجهود جسدي يُذكر سوى الذهاب إلى أقرب سوبر ماركت يبعد عندي 5 دقائق سيرًا على الأقدام، أو الذهاب لأقرب مول يبعد عني ساعة ذهابًا وإيابًا، في نزهة أسبوعية استشكف فيها عالم البشر، أو حتى المشي نصف ساعة كل يومين في المنطقة.

ربما يكون محقًا فيما يتعلق بالنوم.. فأنا لا أنام، وهذا لا يعني أيضًا أنني أسهر، أو أقضي الليل في مشاهدة الأفلام أو محادثة حبيب ما في مكانٍ ما، أو حتى تأمل نجوم السماء، فمسكني أرضي بساحة خلفية مرعبة لا أجرؤ حتى على فتح الشباك ليلًا أو حتى نهارًا. لكن ببساطة قرر الأرق زيارتي وأنا مستيقظة لمنعي من النوم، وقررت الكوابيس أن تحل في منامي.

أطفأت جميع أضواء الغرفة، حتى أضواء جهاز «الراوتر» والتلفاز وتبقى فقط ضوء أرقام التكييف فوقي يشع في المكان. أغمض عينيّ رغمًا عنهما، أضع يديّ على أذني لعل كل ذلك يجلب النوم! تصرف طفولي بالتأكيد، أعرف ذلك.. لكن في هذه اللحظات كنت أحاول كتم رغبة ملحّة في الصراخ في الرابعة فجرًا لعدم تمكّني من النوم، وينتظرني في الصباح يوم عمل، والكثير من المهام.

ما تلى ذلك هي 3 أيام من إرهاق وإجهاد قاتل، ونوبة قلق لدرجة أنني فكرت ذات ليلة في الذهاب إلى الصيدلية في آخر شارعنا في الواحدة صباحًا لأحصل على بضع حبّات من أي عقار منوّم. أنا لستُ معتادة على هذه الأوضاع، لم أتعرض لها.

لأنهي هذا الشيء غير المفهوم، ذهبت إلى عطّار سوريّ في شارع موازٍ لشارع سكني، وأشتريت الكثير من أعشاب البابونج واليانسون. وبهذا أصبحت أحصل على نوم ليلي جيد نوعًا ما.

المشكلة التي ربما تسببت في هذا كله، هي أنني أصبحت إنسان لا يعرف التعامل مع العالم بشكل مبالغ فيه. الكلام هنا ليس على التعامل مع الناس، بل تقبّل العالم ككل. أقل الأخبار والحوادث تصيبني بنوبة فزع وارتفاع ضغط الدم، وألم جسدي، وأحيانًا بكاء حسب نوع الحدث.

أحاول قدر الإمكان تجنب السوشال ميديا خلال أول 4 ساعات من استيقاظي. أحاول أن أعثر في صباح كل يوم على شيء جيد أبدأ به يومي. كوب من القهوة الكبير وأغنية جميلة، أو فيلم قديم أشاهده أثناء تناول الفطور. وفي الحادية عشرة صباحًا يبدأ أول عمل لي.

ليس هذا كل شيء…

خلال الأيام الماضية شهدنا انتخاب أول رئيس في تونس «قيس سعيّد». فرحت لتونس فرحة مميزة.. تونس التي تهدينا دائمًا فرحة مميزة تذكرنا أن هناك شيء اسمه أمل. قد تختلف مع الرجل، لكن طبيعة الحدث نفسه ما زالت تذكرنا أن هناك حرية ما في مكان على الأرض. كتبت ليلة الفوز تدوينة صغيرة هنا عن الحدث. كنت أغطي ذروة الحدث في شيفت المساء، كانت فرحتي في هذه الليلة لا توصف. كتبت منشورات شخصية على فيسبوك تعبّر عن هذه الفرحة، لكن ما إن أقبل منتصف الليل وما بعده، بدأ شوط آخر يدور في فلك حياتي.

هل سمعتم أصوات الاحتفالات؟ نعم، هي تلك الأصوات التي تحرّك آمال وأحلام دفنّاها في قلوبنا منذ سنوات. بدأت أشاهد فيديوهات الاحتفالات في تونس وقلبي يهتز فرحًا، وكربًا في نفس الوقت. هل ستصدقون الآتي.. بحثت عن أغنية أمال مثلوثي «كلمتي حرة» وقمت بسماعها بصوت عالٍ من خلال سماعة رأس. كتبت تدوينة هنا عن تلك الليلة، لكنني لم أستطع إكمالها، ووجدت أنا رسالة من قلب محطم، والعالم لا يحتاج إلى مزيد من القلوب المحطمة؛ ربما. فقررت ألا أكملها.

لنقل أن اليوم التالي كان عاديًا.. فقد مر الليل بسواده وأحلامه وذكرياته، وأخذ معه هذه المشاعر التي انفجرت دون إنذار كبركان يبحث عن نقطة ضعف في القشرة الأرضية ليخرج. خرج، ثم أحدث الكثير من الفوضى والألم، ثم هدأ وبقي القليل من الآثار التي ستمحوها الأيام. ومن يدري.. ربما سيكون هناك بركانًا آخر في مكان ما سينفجر ذات يوم.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.