رواية «نداء أخير للركاب»: رحلة خاصة بالعودة إلى الوطن

رواية نداء أخير للركاب, أحمد القرملاوي

هي حكاية عن رحلة العودة إلى الوطن؟ .. أيّ وطن؟ مصر، الكويت، النمسا، الولايات المتحدة الأمريكية، أم سيوة؟

أنت كقارئ تصطدم بالبداية، حين تتعثر وتسقط على أول جملة:

كنت قد نسيت أن لي أبًا حيًا، لا يزال يتنفس فوق بقعة من عالمنا مكوّر الشكل، حتى ذكّرني موته..

تبدأ في السطور التالية في تكوين صورة منفّرة عن بطل القصة «العاق» د. «هاني» الذي لم يعرف حتى وقتٍ قريب أن أباه ما زال موجودًا على أرض البسيطة. تتساءل: ترى ما الذي يدفع بشخص ما إلى هذا الحد للابتعاد على والده، هل كان يستحق والده ذلك؟ هل هو بهذه الدرجة من السوء؟

تبدأ في رحلة قاسية برفقة بطلنا هاني الذي يبدأ طريقه في رحلة بين عدة بلدان للحصول على.. تركة أبيه؟ طريق الحصول على التركات ليس ممهدًا دائمًا، لا تجري الأمور بضغطة زر أو مجرد تحويل أموال وصكوك على حسابات بنكية، بل هناك الكثير لتدفعه لتستحق مثل هذه التركات، خاصة إذا كانت محملة بالكثير من الحكايات والحقائق، والتواريخ.. وربما تحمل أكثر من مجرد أموال.

يبدأ البطل رحلته بالعودة إلى الكويت، مقر ولادته وسنوات عمره الأولى محاولًا الإمساك بطرف الخيط.. يعثر على طرف الخيط هناك، لكن البكرة لديها الكثير من العقد واللفات والتشابكات التي يجب حلها لتستمر..

تصطدم كقارئ مرة أخرى بالجزء الذي يتحدث فيه والد بطلنا عما حل بالكويت إبان الغزو العراقي. أسماء ثلاثية، حكايات وفظائع ارتكبت تشعر يقينًا أنها حقيقية، وتبدأ عظامك بالتكسّر أثناء قراءة السطور.. تتوقف قليلاً، تبكي، تتساءل: من المجرم، من الظالم ومن المظلوم؟

ثم تجد نفسك متعثرًا في ذات السؤال مصحوبًا بإجابته داخل الراوية.. تتابع الأحداث، تذهب إلى النمسا لتجد أن حكايات الشهود الذين كانوا في الكويت آنذاك أكثر قسوة ورعبًا.. تفاجئك نهاية الرواية، هل تمت المهمة بنجاح؟ هل حقًا يريد هاني فعل آخر شيء كان يريده والده؟

الرواية رائعة وفائقة الجمال، تصل إلى وجدانك وتهديك جرعة مكثفة من الخوف والألم والأمل، والحب الكثير. يمكننا اقتباس منها الآتي:

البشر تروس، تروس كبيرة تحرك تروسًا أصغر فأصغر بلا نهاية. كبرت أو صغرت ستتآكل التروس؛ ستبصقها الماكينة وتستبدل بها تروسًا جديدة، تستمر في الدوران.

ص (187)

الفقيد في كتب التاريخ رقم لا يعني الكثير، لا أبناء له نهشتهم الحياة من بعده، ولا أم له تضرِم النار في قلبها كل مساء أمام صورته، كي تنضج الحزن في نفسها وتحيله صمتًا أبديًا.

ص (120)

في البداية كنت قد كوّنت صورة ذهنية عن د. هاني المذكور، بتفاصيل وجهه، ولم أنتبه إلى غلاف الرواية أنها تمثل “وجه شخص ما” ينظر بجانبه إليك، كنت أراها دائمًا صورة صفراء وطائرة وأعمدة نور، وقبل الانتهاء من قراءة الرواية، أدركت فجأة أن صورة الشخص -نصف الوجه- على الغلاف يشبه تمامًا هاني الذي يرقد في مخيلتي الآن!

الكاتب

أحمد القرملاوي

إصدار

مكتبة الدار العربية للكتاب

نُشرت هذه التدوينة للمرة الأولى على الحساب الشخصي على فيسبوك، يمكنك مراجعتها هنا

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.