كتاب «بعلم الوصول»: المصريون من خلال رسائلهم

بعلم الوصول, أحمد خير الدين

هل هو كتاب؟ رواية؟ مجموعة قصصية؟.. ربما لا، ربما ليس له تصنيف أصلًا.. هي رسائل حقيقية مجمّعة، سجلها أشخاص عاشوا حياتهم بكافة أشكالها من حب وحزن وفرح وأمل ووصل بما توفر لديهم من أدوات؛ ورقة وقلم وظرف مكتوب عليه العنوان تفصيلًا، وطابع بريد.. والكثير من الصبر.

هي رسائل خلّدتهم على الرغم من أن الزمن قام بفعلته بتبديل كل شيء، حتى تبديل عناوينهم.. هي رسائل تبّدلك أيضًا كقارئ مع كل رسالة تقرؤها.

في الصفحة الأولى، يذكر الكاتب كيف كان ينتظر الرسائل من والده في الخارج؛ وكيف كان يستلمها.. وهذا أعادني بالذاكرة إلى الوراء كثيرًا، إلى طفولتي حين كنا ننتظر رسائل ذوينا من مصر عندما كنت أقيم مع والديّ في الخارج، وأحث والديّ على قراءة هذه الخطابات بصوتٍ عالٍ، وذكر اسم الشخص (جدتي، خالتي فلانة، خالي فلان..وغيرهم)، وهل هناك صور لأحدهم؟

الخط الزمني للرسائل يبدأ من الثلاثينيات وصولًا إلى أواخر السبعينيات في كافة أنحاء الجمهورية وليس القاهرة فقط، وهذا يعطيك مساحة كافية للاطلاع على المجتمع المصري؛ الناس.. كيف كانوا يعبّرون عن آلامهم وشوقهم لأحبائهم وأخبارهم، مرورًا بالأزمات التي حلّت في المجتمع المصري من حروبٍ متتابعة ونكسات، وكيف كان يظهر هذا في رسائلهم.. جُمل مكتوبة وكأن الحروب أو المتغيرات حولهم مجرد أحداث عابرة، لكنها موجودة في حياتهم..

خلال هذه التقلبات، تجدك كقارئ تتقلب معهم، يصلك شعورهم بتعبيراتهم اللغوية البسيطة التي تلحظ تغيرها ودخول كلمات جديدة مع تقدم زمن الرسالة – استوقفني هذا التغير في استخدام الكلمات أثناء القراءة، وخطر ببالي أننا اليوم نستخدم كلمات “أوجدناها” بكل معنى الكلمة؛ مثل “ابعتلي على الشات، الواتس، شايف الايموشن دا، أو شيّر آخر بوست من بيدج فيسبوك الفلانية.. إلخ”؛ فإذا كنا سنحتفظ برسائلنا الإلكترونية بشكلٍ ما ليجدها آخرون في المستقبل، سيجدون هذه العبارات، وربما سيبتسمون عند قراءتها إما لغرابتها أو لأننا كنا “قدماء” بالنسبة لهم..

هناك رسائل توقفت عندها عنوانها: «إلى أولادي الأعزاء».. شعرت أنها آلمتني بشكلٍ شخصي!

الكتاب ممتع، هادئ، فيه الكثير من التجارب والحكايات التي تود معرفة ماذا حلّ بهؤلاء؟ هل تزوج الحبيبان وعاشا حياة هنيّة، أم فرقتهم الأيام.. هل استكمل فلان دراسته وأصبح كما كان يتمنى والداه؟ .. كتاب يستحق أن يكون برفقتك في إجازة لطيفة، أو حتى للبعد عن الإرهاق وضغوطات اليوم..

الكاتب

أحمد خير الدين

إصدار

دار الشروق

نُشرت هذه التدوينة للمرة الأولى على الحساب الشخصي على فيسبوك، يمكنك مراجعتها هنا

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.